حوار الفنان مع الشجرة..محاولة خلق حياة مفعمة بالأمل على أنقاض واقع يحترق

"شجرة" معرض الفنان فاضل الدباغ في جاليري دار الأندى / عمان

محيي المسعودي

شكلت العاصمة الأردنية عمان على مدار عقدين من الزمن مركز جذب للفنانين التشكيليين العراقيين من داخل العراق وخارجه إضافة لعدد كبير منهم أقام في المدينة واتخذ منها مسكنا ومنطلقا له نحو الأمكنة الأخرى. وتعود هذه العلاقة بين الفنان العراقي ومدينة عمان لأسباب عديدة (جغرافية وسياسية وطبغرافية) فقد شكلت المدينة طوال الثلاثة عقود الأخيرة البوابة الوحيدة للعراقيين على العالم فأقام الفنانون القادمون من العراق ومن دول العالم المختلفة معارضهم الفنية في جاليريهات عمان الكبرى ولكن تجارب الشباب وحضورهم كان الأقوى على الساحة يدعمه حضور أساتذتهم – نقدا ودليلا قياسيا – حتى اصبحوا ظاهرة فنية عمانية الملامح.
وتأتي تجربة الفنان الشاب فاضل الدباغ لتصب في هذا الحضور الفني و تغنيه وقد أقام معرضه في جاليري دار الأندى أحد جاليريهات الكائنة في وسط المدينة- القديمة.
حمل الدباغ تجربته ورؤيته الشخصية المفعمة بالإرادة والبحث عن كل جديد وإذا كان ملزما بشروط الفن العراقي وماهيته وطابعه العام والخاص بحكم تكوينه الجغرافي والإنساني فإنه عمد إلى تميز نفسه من خلال رؤية وأسلوب خاصين به. ويلعب هاجس الفنان تجاه فنه عاملا رئيسيا في صياغة لوحته فالدباغ مشغول بهمه الفني الساعي إلى تقديم موضوعات وصور جديدة حرص أن تكون من اكتشافاته وأن تقدم رؤيته دون أن يسبقه أحد فيها أو إليها. وتشكل لوحاته الأولى في المعرض دليلا على ذلك حيث يشكل سطح اللوحة قاعدة الفكرة ومادتها الخام لأن جذع الشجرة بما يحمل من دلالات الحياة والأثمار – ساحة لممارسة الحياة وطرح قضاياها وقد اختار الدباغ سيقان نبات القصب لتعلو سطح اللوحة بما يشبه الريليف وظهرت سيقان القصب الأنبوبية الشكل مفتوحة من الأعلى... ونلتقط هنا الإشارة الكامنة في القصب كونه نبات ومادة لصناعة المزمار أي الموسيقى واللغة ناهيك عن دلالات في الموروث المثيولوجي العراقي القديم والأقدم... وقد ترك الفنان أشكاله الفنية التشخيصية ومضامين تلك الأشكال مفتوحة على التأويل البصري والدلالي مما يمنحها فرصة حقيقية لدخول عالم التجريد لاحقا. وتظل أعمال الفنان تقدم موضوعات عديدة بين, الفكري والحسي، إذ تطغى الصنعة على الأعمال ذات الطابع الفكري وتكون محكمة وقريبة جدا بل منضبطة بالقواعد الفنية التشكيلية الصارمة التي تقود المتلقي، المثقف بصريا، إلى كشف دلالاتها والوصول بها إلى تبين رؤية الفنان... والى جانب هذه اللوحات ذات القيم الفكرية الطاغية تقف لوحات نفذت بأسلوب تجريري واستخدم اللون لغة لها... وتمثل اقتباسا من الحالات الانفعالية التي مر ويمر بها الفنان أو هي المناخ والمزاج النفسي والفني له بعيدا عن الصنعة وتتبع القواعد والشروط الفنية... وأتت ألوانها متماثلة مع نسبة الانفعال وقوته ونوعه. لتقود المتلقي باتجاه مزاج فني خاص مادته الواقع العراقي الراهن ولكنه مطروح من خلال ذوات لا تراه كما يراه الكثيرون ربما لتميز علاقة هذه الذوات مع الواقع أو لتفرد هذه الذوات بمكوناتها النفسية والفكرية والتربوية المختلفة... وقد تؤشر أعمال فاضل الدباغ إلى جانب البعض من مجايلية نزعة جديدة من الفن التشكيلي العراقي يتبناها جيل يختلف بالضرورة عن الأجيال التي سبقته وذلك بسبب المستجدات الاجتماعية والسياسية المحلية والإقليمية والعالمية التي رافقت الحال العراقية منذ مطلع الثمانينات وحتى اليوم وقد أصبحت هذه الفترة الحرجة من التاريخ العراقي عمرا إنسانيا وفنيا لجيل من الشباب وهو منقطع- إلا من خلال الرواية – عن الحياة ما قبل وعيه وإدراكه لتلك الحياة ... ولا شك أن تمسك الشباب بالحياة اصبح هاجسهم الأول في البحث عن سبل أو أساليب للتعامل مع الواقع الحياتي و بالتالي خلق حياة يأملون من خلالها تحقيق ما يريدون ومن هنا اعتقد، إن الفنان الشاب فاضل الدباغ وهو واحد من هؤلاء الشباب قد اختار الشجرة موضوعا لمعرضه الأخير كإشارة إلى الحياة الكامنة في الجذع العتيق والمتدفقة من الأغصان والبراعم الطرية واهبة حياة جديدة من حياة قديمة وأخرى أقدم.
 

   

Designed and hosted by ENANA.COM